القرآن والطب

د. فواز القاسم
اختصاصي أمراض الأطفال
MBChB DCH


بسم الله الرحمن الرحيم

(( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ، فإنا خلقناكم من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، مخلّقة ، وغير مخلّقة ، لنبيّن لكم ، ونقرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ، ثمّ نخرجكم طفلاً ، ثمّ لتبلغوا أشدّكم ، ومنكم من يُتَوفّى ، ومنكم من يُرَدُّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم  شيئاً )). الحج (5) 

1. من تراب :

2. من نطفة :

3. من علقة :

4. من مضغة : مخلّقة ، وغير مخلّقة :

5. إلى أجل مسمى :

6. ثمّ نخرجكم طفلاً :

7. ثمّ لتبلغوا أشدّكم :

8. ومنكم من يُتَوفّى :

9. أرذل العمر :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 (( ولقد خلقنا الإنسان من سُلالة من طين ، ثم جعلناه نطفةً في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة عَلَقَةً ، فخلقنا العلقة مُضْغَةً ، فخلقنا المضغة عظاماً ، فكسونا العظام لحماً ، ثمَّ أنشأناه خلقاً آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين )) . المؤمنون ( 14 )صدق الله العظيم.

 

إن أي طبيب في العالم اليوم ، يرزقه الله نعمة تذوّق القرآن الكريم وفهمه ، وخاصة أمثال هذه الآيات العلمية التي بين أيدينا ، لا بدّ أن يعترف وبمنتهى الإجلال والإكبار ، بأن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من صنع رجل أميّ - كان قد عاش قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، في بيئة عربية أمية ، كان الواحد منهم يضرب أكباد الإبل ، ويقطع الفيافي والصحارى ، فلا يكاد يجد المتعلّم و القارئ ، فضلاً عن الطبيب - بل لا بد أن يكون من عند العليم الخبير ، المبدع الحكيم ، الذي أحسن كلّ شيء خلقه ، ثم بدأ خلق الإنسان من طين ، والذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم .

 

لقد بقي العالم لعدة قرون يعيش في وهم النظريات التي تسمي نفسها علمية ، وليس لها - في الحقيقة - من العلمية إلا الاسم . فمرّة ، يدّعون بأن الإنسان كان قد تطور إلى صورته الحالية من الحيوانات والقردة .!!! وتارة ، يقولون بأن الإنسان مخلّق في النطفة الذكرية بصورة كاملة ، ولكن بحجم مجهري صغير ، ووظيفة الرحم هي في تكبير هذا الشكل المجهري فقط ...!!! و هكذا ... إلى أن جاء العلم الحديث ، ليثبت تخبط كل تلك النظريات و مجانبتها للحقيقة ، وليعترف للقرآن العظيم بمعجزته الخالدة في السبق العلمي الرهيب ، والذي جاء بمعلومات علمية وطبية متقدمة على العصر الذي نزل فيه بعشرات القرون ...

 

ومن الجدير ذكره ، بأن العلم الحديث ، وبالرغم من تطوره الهائل في المجالات الطبية ، إلا أنه لم يستطع أن يضيف للحقائق القرآنية في خلق الإنسان شيئاً يذكر ، بل لم يستطع الاستغناء ، حتى عن  مراحله ، ومصطلحاته ، وألفاظه ...

 

وإذا ألقينا نظرة على الآيات التي بين أيدينا مثلاً ، لوجدناها تشتمل على المصطلحات الخلقية التالية :

1.      من تراب .

2.      من نطفة .

3.      من علقة .

4.      من مضغة ( مخلَّقة وغير مخلَّقة ) .

5.      إلى أجل مسمى ( مدّة الحمل ) .

6.      ثم نخرجكم طفلاً ( الولادة  + الطفولة ) .

7.      ثم لتبلغوا أشدكم ( الشباب + الكهولة ) .

8.      ومنكم من يُردّ إلى أرذل العمر ( الشيخوخة ) .

9.      ومنكم من يُتوفى .

وهي كلها مصطلحات وألفاظ علمية معجزة ، تعبّر عن مراحل خلقية مختلفة ، سنتناولها في هذا البحث بالتفصيل ، وبنفس الترتيب القرآني المعجز ...

 

أولاً : مرحلة التراب  : (( إنا خلقناكم من تراب )) .

يؤكد القرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهّرة ، جملة من الحقائق العلمية المذهلة ، عن أصل خلق الإنسان ، نتناولها في النقاط التالية:

  1. من تراب : (( ومن آياته أن خلقكم من تراب ، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون )) .الروم ( 20 )

  2. من ماء : (( وهو الذي خلق من الماء بشراً ، فجعله نسباً وصهراً ، وكان ربك قديراً )) الفرقان (54)

  3. من طين : ( تراب + ماء = طين ) (( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ، فقعوا له ساجدين )) ص ( 71)

  4. من سلالة من طين : ( أي خلاصة من الأرض ) (( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين )) . المؤمنون (12)

ماذا تعني هذه الحقائق .!؟

إنها تعني أن الإنسان مخلوق من طينة هذه الأرض ، بل من خلاصتها ...

ثم جاءت السنة المطهرة فألقت المزيد من الضوء على أصل الخلقة البشرية ، فقد بين الرسول (صلى الله عليه وسلم)  أن الله تعالى أمر جبريل (ع) ، أن يحضر له حفنة من تراب الأرض ، من مواضع مختلفة ، ففعل . ثم أمر تعالى أن يراق فوقه الماء حتى صار طيناً ، ثم صوره على شكل إنسان ، وتركه ما شاء الله أن يتركه تحت أشعة الشمس حتى أحرقته ، فتحول إلى فخار ، أو بتعبير القرآن ( حمأ مسنون ) ، فجعلت الملائكة تطوف به ، وتعجب منه ، وجعل إبليس يطوف به أيضاً ، ويسخر منه ..!

 

ثم نفخ الله فيه من روحه ، وعلّمه من علمه ، وأسبغ عليه من مهابته ، وأسجد له ملائكته ، وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلاً ...

 

روى البيهقي وأبو داوود والترمذيّ وغيرهم : أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال :

(( إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك ، والسهل والحزن والخبيث والطيب . ثم بلّت طينه حتى صارت طيناً لازباً ، ثم تركت حتى صارت حمأً مسنوناً ، ثم تركت حتى صارت صلصالاً ، قال تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون )) الحجر(26) . قصص الأنبياء (39) .

 

وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة (رض ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :

(( إن الله خلق آدم من تراب ، ثم جعله طيناً ، ثم تركه حتى إذا كان حمأً مسنوناً ، خلقه الله وصوره،

ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار ، قال : فكان إبليس يطوف به فيقول : لقد خُلقت لأمر عظيم!

ثم نفخ فيه من روحه ...إلخ ... ))   قصص الأنبياء ( 41 ) .

 

هذا ما قاله القرآن الكريم والسنّة المطهرة ، عن أصل الإنسان قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، فماذا قال العلم الحديث يا ترى .!؟

 

لقد أجرى العلماء تحليلاً دقيقاً لمكوّنات الأرض ، فوجدوا فيها أكثر من مائة عنصر من عناصر الطبيعة المعروفة حتى الآن ... كما أجروا تحليلاً لجسم الإنسان نفسه ، فوجدوه مكوّناً من حوالي ثلاثة وعشرين عنصراً هي خلاصة عناصر الأرض ، أو العناصر المهمة فيها ، وهي كما يلي :

  • مجموعة العناصر الأساسية :

  1. الأوكسجين ( O2 )

  2. الهيدروجين ( H )

    ومن مجموعهما يتكون الماء ، الذي هو أصل الحياة ، والذي يشكل حوالي 70% من جسم الإنسان ، ومن الأرض أيضاً ...

    قال تعالى مؤكداً هذه الحقيقة العلمية : (( وجعلنا من الماء كل شيء حيّ )) الأنبياء (30 ) .

  3. الكربون ( C )

  4. النتروجين ( N )

    وهذه العناصر الأربعة تشكل أساس المواد العضوية ( السكريات ، البروتينات ، الدهنيات ، الفيتامينات ، الهرمونات ، والخمائر أو الإنزيمات ).

وصدق الله العظيم الذي قال في قرآنه المعجز : (( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين )) أي من خلاصة الأرض ... وهذه هي الحقيقة بعينها .. فتبارك الله أحسن الخالقين ...!!!
 

  • خلق حوّاء :

قال تعالى في كتابه المبين : بسم الله الرحمن الرحيم (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً )) النساء(1)

 

يشير هذا النص القرآني المعجز ، إلى أن أصل خلق البشرية من نفس واحدة هي نفس آدم (ع) ، وأن زوج آدم ، والتي شاع بين الناس تسميتها باسم حواء ، هي من تلك النفس الواحدة أيضاً ...

 

أما أبناء آدم ، والبشر من بعدهم ، فقد جاؤوا بقانون التقاء الذكر مع الأنثى المعروف ، والذي عبّر عنه المصطلح القرآني المعجز بقوله : (( وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً )) .

 

روى السديُّ ،عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن مرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، قالوا : أُخرج إبليس من الجنة ، وأُسكن آدم فيها ، فكان يمشي فيها وحشيّاً ، ليس له فيها زوجٌ يسكن إليها ، فنام نومةً ، فاستيقظ وعند رأسه امرأة خلقها الله من ضلعه ...

 

وذكر محمد بن اسحق ، عن ابن عباس (رض) : أنها خُلقت من ضلعه الأقصر الأيسر ، وهو نائم ولأم مكانه لحم ... قصص الأنبياء (20)

 

وفي الصحيحين ، من حديث زائدة ، عن ميسرة الأشجعيّ ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : (( استوصوا بالنساء خيراً ، فإن المرأة خُلقت من ضلع )) .

 

ونقف أمام هذه النصوص المعجزة لنسأل أنفسنا سؤالين محدّدين :

الأول : لماذا خُلقت حواء من آدم وليس العكس ..!!!؟

والثاني : لماذا خُلقت من الضلع تحديداً .!!!؟

ويأتي العلم بعد أربعة عشر قرناً من تنزّل هذه النصوص المعجزة ، ليجيب على هذين السؤالين وعلى عشرات ، بل مئات الأسئلة غيرها ، والتي كانت أكبر بكثير من مستوى العصر الذي تنزلت فيه ، ولا نشك بوجود حكمة بالغة لله تعالى في الإشارة إليها منذ ذلك الوقت المبكّر ، ولعل في اكتشاف العلم لها اليوم ، ووقوف العلماء أمامها بكل خشوع واحترام ، وإيمان الكثير منهم بالله الخالق المبدع ، لخير دليل على ذلك ...

  • أما عن السؤال الأول : فقد أكّد العلم ، بأن حواء يمكن أن تُخلق من آدم وليس العكس ، وذلك لأننا لو أخذنا التركيب الوراثي لآدم عليه السلام ، لوجدناه مؤلفاً من (44) صبغي جسمي + صبغيان جنسيان هما ( xy ). أي أن آدم عليه السلام يمكن أن يعطي في حيواناته المنوية ( النطاف ) : النطفة المذكرة ( y ) التي تكون الذكر . والنطفة المؤنّثة ( x ) التي تكون الأنثى .


    أي : يمكن اشتقاق الأنثى من آدم عليه السلام ...
    أما حواء ، فإن شفرتها الوراثية تتكون من (44) صبغي جسمي + صبغيان جنسيان متماثلان هما: ( xx ) ، أي أنها غير قادرة على إعطاء العنصر الذكري أبداً ...
     

  • وأما عن السؤال الثاني : فهو من الأمور التي لم يتوصل العلم إلى حقيقتها حتى الآن فيما أعلم ، وأرجو أن تكون محاولتي هذه خطوة في الطريق الصحيح .

لماذا خُلقت حواء من ضلع آدم وليس من أي مكان آخر .!؟

 

لكي نجيب على هذا التساؤل المهم ، من المفيد جدّاً الاستعانة بالنصوص التالية :

  • نصوص القرآن الكريم :  قال تعالى في كتابه الكريم : بسم الله الرحمن الرحيم (( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم ، وأشهدهم على أنفسهم ، ألست بربّكم !؟ قالوا : بلى ، شهدنا )) الأعراف(172) .
    يفيد هذا النص القرآني بأن الذريّة من الظهور ...
    (( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم )) النساء (23) . والصلب هو أسفل الظهر ... (( خُلق من ماء دافق ، يخرج من بين الصلب والترائب )) الطارق (4) أي أن الماء الدافق ، الذي هو المني يتكوّن من مكانين رئيسيين هما : الصلب ( أسفل الظهر ) والترائب ( الأضلاع ) .  تذكَّر بأن الدم يتكون في الإنسان البالغ من العظام المسطّحة ، وهي بشكل رئيسي عظام الفقرات والأضلاع ...
     

  • نصوص السنّة المطهّرة :

  1. الصندوق الأسود : هل سمعتم بالصندوق الأسود .!؟ لا أعني ذلك الموجود في كل طائرة ، والذي يسجل دقائق وتفاصيل كل رحلة جوية ، ويستعين به خبراء الطيران ، ورجال المخابرات ، للتعرف على أسباب تحطم الطائرات .!!!
    إنما أعني الصندوق الأسود الذي في البشر ، والذي يختزن الشفرة الوراثية لكل إنسان .!


    فإليكم ما قاله محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) ، النبيّ الأميّ ، الذي بُعث إلى أمة أمية قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، قال : (( كلُّ بني آدم تأكله الأرض ( أي بعد الموت ) ، إلا عَجْبَ الذَّنَبِ ، منه خُلق ، وفيه يُرَكَّبْ . قيل : وما هو يا رسول الله .!؟ قال : مثل حبة خردل ، منه تنشؤون )) رواه الإمام البخاري ومسلم ومالك وأبو داوود والنَّسائي .

     

  2. حديث الذّر : روى الإمام الترمذيُّ ، عن أبي هريرة (رض ) ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : (( لما خلق الله آدم (ع ) ، مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة خالقها إلى يوم القيامة ..إلخ )) قال الترمذي : حسن صحيح ، وكذلك رواه الإمام الحاكم .

من هذه النصوص المعجزة نخلص إلى النتيجة التالية :
لما خلق الله آدم عليه السلام بقدرته المطلقة ، أودع فيه السرّ البشري ، الذي نعني به الشفرة الوراثية التي تحفظ النوع البشري إلى يوم القيامة وهي ( DNA) ، وجعل مخزنها في نقطتين رئيسيّتين في جسمه هما : الصلب ، وهي عظام الفقرات في  أسفل الظهر ، وبشكل خاص في عظم العصعص الذي ورد في الحديث الشريف باسم عظم العَجْب ، والترائب التي هي عظام الأضلاع .. ولقد أثبت الطب فعلاً بأن الفقرات والأضلاع هي المسؤولة بشكل أساسي عن تركيب الدم في الإنسان في مرحلة ما بعد الحياة الجنينية ، وبالتالي فيمكن الوصول إلى حقيقة أن الصلب والترائب هي مخزن الشفرة الوراثية (
DNA) في الإنسان .

الصفحة التالية

البداية

الصفحة السابقة

تالي

البداية

سابق


Updated: 18/07/2012